Raouf Ben Yaghlane
إستعدادات لاستقبال الجمهور و دعوته للصعود علي الركح
تجسّد الأغورا الثقافية المسرحيّة التي تقترحها طرحا تواصليا نشكّل من خلاله نموذجا جديدا يهدف الي بناء تفاعل جديد مع حاضرنا و مع الظواهر التي تحدّد واقعنا، تفاعل يتجاوب مع مقتضيات عصرنا و المتغيّرات السريعة المؤثرة علي حياتنا وعلي معيشنا و علي سلوكياتنا.
إن الآغورا المسرحية هذه تأتي من اعتبارنا بأننا نعيش في مجتمع يكاد ينعدم فيه التواصل، بين المواطن و محيطه، و تعقْدت فيه العلاقة بين الفرد و المجتمع. و من هذا المنطلق ، يجدر بنا القول بإنّه قد أصبح من الواجب علينا كفنانين أن نبتكر أشكالا و مساحات جديدة لا يقتصر فيها الفن على كونه موضوعًا للمشاهدة فقط، بل و يكون كذلك جسرا للتحوّل ، للتحوّل في التفكير ، للتحوّل في التعبير و في التواصل . تحوّل يساعد علي تجاوز المحدود القائم علي عقليّة فاتها الزمن إذ أظهرت عجزها علي عدم قدرتها علي مواكبة المتحوّلات بكل أشكالها و أصنافها و لم يعد من المعقول الاعتماد عليها. و لعله من اللازم أن نؤكّد بأن هذا التحوّل يجب أن يكون حاملا لوعي راسخ و متجذر بضرورة الخروج من هذه العقليّة التي ترتكز علي الفهم النمطي للفن و الثقافة و القوالب الجاهزة التي تقيّد الفنّان في علاقاته مع الجمهور و تقلّل من قدرته علي الإبداع و إمكاناته علي الإنفتاح نحو أفق فنيّة أكثر ابتكرارا و أكثر جرأة في التصوّر و في التعبير . لذلك فأننا لا نريد أن تكون هذه الأغورا مجرد فضاء للحضور بل مساحة مختلفة فس الشكل و المضمون ، ليس بالمعني المكاني فقط بل و بالمعني الذهني. مساحة يلتقي فيها الحاضر بالممكن، مساحة نكتشق فيها مدي قدرتنا علي صنع البديل و نتدرّب فيها علي خلق الأفضل، مساحة تٌبني فيها التصورات و الرؤي، تتعمّق فيها رغبة التبادل و ارادة التغيير، مساحة حيث يتشارك الفنان، والممثل، والمتفرّج في المسرح، مما يمكّن من إعادة تعريف العلاقة التقليدية بين الفن المسرحي والجمهور، بين الممثل و المتفرّج ، بين المسرح و المجتمع. مساحة تعاد فيها صياغة أفكارنا و تعبيراتنا و فهمنا لحاضرنا و لواقعنا
تعوّد الجمهور أن يري المسرح مساحة يتطور فيها الفنان تحت أنظاره، في علاقة مع المشاهدة الإستهلاكيّة. أما، في رؤيتنا للأغورا، يتم القطع و الفصل مع هذا الشكل التقليدي بين الممثل والجمهور. إذ تقترح نموذجًا يصبح فيه المسرح مساحة ديناميكية للتبادل، اعتبارا بأن المسرح ليس الركح الذي يتطور فيه المتفرج فقط بل و أيضا الفضاء الذي يكون فيه المتفرج شاهدا و الذي بدونه تغيب الفرجة . و هل للفرجة معني اذا كان المتفرّج غائبا. و من هنا لم يعد الممثل مجرد مؤدي أمام الجمهور، بل هو الطرف الفاعل الداعي و المحفّز للمتفرجين ليصبحوا مشاركين نشطين، ليشتركوا ويتفاعلوا مع ما يُعرض. وبالتالي، يصبح المسرح مكانًا للقاء والتفاعل والتبادل، حيث تدور الكلمة والعاطفة في كلا الاتجاهين.
يتحوّل الجمهور من كونه متفرّجا مشاهدا مستهلكا سلبيا ، الي متفرّج شاهد متفاعل تتغيّر بتدخلاته الأحداث و تتكيّف الشخصيات و تتكامل معه الفرجة، ومن هنا يساهم المتفرّج في بناء أداء جديد يغذيه بآحسايسه و أفكاره و التزامه بالمسائل المطروحة. و بذلك يتجاوز المسرح أو الحدث الثقافي العرض البسيط ليصبح تجربة تشاركيّة تجمع بين الفنّان و المواطن بين الركح و الجمهور بين الرؤية الإجتماعيّة المعيشيّة للواقع و الرؤية الإبداعيّة له . إنه خلق مشترك بين الفنان والمواطن، تبادل يكون فيه الواقع محل تفاعل إبداعي يمتزج فيه البعد الاجتماعي بالثقافي في اللحظة الركحيّة.